الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
267
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وعاجز لا يقدر على شئ . وكل على مولاه . وأينما يوجهه لا يأت بخير . مع أن الصفات المذكورة علة ومعلول لبعضها الآخر ولكنها ترسم صورة إنسان سلبي مائة في المائة حيث أن وجوده لا ينم عن أي خير أو بركة إضافة لكونه " كل " على أهله ومجتمعه . ف هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ؟ ! وأما الرجل الآخر في مثل الآية فهو صاحب دعوة مستمرة إلى العدل وسائر على الصراط المستقيم ، وما هاتان الصفتان إلا مفتاح لصفات أخرى متضمنة لها ، فصاحب هاتين الصفتين : لسانه ناطق ، منطقه محكم ، إرادته قوية ، شجاع وشهم ، لأنه لا يمكن أن يتصور لداعية العدل أن يكون : أبكم ، جبانا وضعيفا ! ولا يمكن أن يكون من هو على صراط مستقيم إنسانا عاجزا أبله وضعيف العقل ، بل ينبغي أن يكون ذكيا ، نبيها ، حكيما وثابتا . وتظهر المقايسة بين هذين الرجلين ذلك البون الشاسع بين الاتجاهين الفكريين المختلفين لعبدة الأصنام من جهة ، وعباد الله عز وجل من جهة أخرى ، وما بينهم من تفاوت تربوي وعقائدي . كما رأينا من ربط القرآن في بحوثه المتعلقة بالتوحيد ومحاربة الشرك مع بحث المعاد ومحكمة القيامة الكبرى ، نراه هنا يتناول الإجابة على إشكالات المشركين فيما يخص المعاد ، فيقول لهم : لله غيب السماوات والأرض . وكأن الآية جواب على الإشكال العالق في أذهان وألسنة منكري المعاد الجسماني بقولهم : إننا إذا متنا وتبعثرت ذرات أجسامنا بين التراب ، فمن يقدر على جمعها ؟ ! وإذا ما افترضنا أن هذه الذرات قد جمعت وعدنا إلى الحياة ، فمن سيعلم بأعمالنا التي طوتها يد النسيان فنحاسب عليها ؟ !